الخميس، 14 مايو، 2015

غسان كنفاني


قصص لـ
غسان كنفاني






غسان كنفاني
البومة في غرفة بعيدة
شيء لا يذهب
منتصف أيار
كعك على الرصيف
في جنازتي
الأرجوحة



البومة في غرفة بعيدة

كل صور عدد كانون الاول من المجلة الهندية "أ.." كانت رائعة ، ولكن أروعها بلا شك صورة ملونة لبومة مبتلة بماء المطر .. وتكمن كل روعها في لحظة اللقطة الموفقة ، وفي براعة الزاوية .. واهم من هذا كله : في اصطياد النظرة الحقيقية للبومة المختبئة في ظل ليل بلا قمر .
كنت في غرفتي : غرفة عازب بجدران عارية تشابه إحساسه بالوحدة والعزلة .. أرضها متسخة بأوراق لا يدري أحد من أين جاءت ، والكتب تتكدس فوق طاولة ذات ثلاث قوائم رفيعة ، أما القائمة الرابعة فلقد استعملت يداً لمكنسة ما لبثت أن ضاعت .. والملابس تتكوم فوق مسمار طويل حفر عدة ثقوب بظهر الباب قبل ان يرتكز نهائياً في ثقبه الحالي .
قلت لنفسي وأنا أشد بصري إلى صورة البومة الرائعة :
-
يجب أن تعلق هذه الصورة على حائط ما .. فذلك يكسب الغرفة بلا شك شيئاً من الحياة والمشاركة ...
-
ألصقت الصورة بالفعل على الحائط المقابل للسرير ، وأطرتها بورقة بنية كي تنسجم مع الحائط بشكل من الأشكال ، كان العمل الفني ، إذن ، قد أخذ سبيله إلى الغرفة وكان لابد أن اغبط نفسي على التقاط هذه الصورة .

عندما آويت لفراشي في منتصف الليل فاجأتني الصورة ، كان ضوء الغرفة خفيفاً بعض الشيء ، وقد يكون هذا هو السبب الذي من اجله بدت لي الصورة في غاية البشاعة ، كان رأس البومة اكبر من المعتاد وكان يشبه شكلاً رمزياً لقلب مفلطح بعض الشيء ، أما المنقار الأسود فلقد كان معقوفاً بصورة حادة حتى ليشبه من منجلاً عريض النصل ، والعينان كانتا مستديرتين كبيرتين يختفي أعلاهما تحت انحناءة الحاجبين الغاضبين ، كان في العيني غضب وحشي ، وكانت النظرة – رغم ذلكتحتوي خوفاً يائساً مشوباً بتحفز بطولي وتشبه إلى حد بعيد نظرة إنسان خضع فجأة للحظة ما ، عليه أن يختار فيها بين أن يموت ، أو أن يهرب كان الوجه مخيفاً وبدا أن العيون المستديرة اللماعة باماضة حية ، كانت تحدق عبر صمت الغرفة ، وتخترق برعشتها الحية جمجمتي ، وتقول بصرير حار :
-
أتذكر ؟ .. لقد التقينا مرة قبل الآن

أطفأت الضوء الشاحب ، ودفنت رأسي في الغطاء الموسخ بعرق الصيف اللزج ، ورغم ذلك ، فلقد كنت أرى العينين الغاضبتين الخائفتين تخترقان الظلمة وتحدقان في ، كان وجه البومة المتحدي لضغط لحظة ليس فيها سوى الإختيار بين الموت والفرار مائلاً في رأسي كأنني لم احول نظري عنه بعيداً ، ملحاحاً ، غضوباً يتمسح باشمئزاز ساخر ، وعبثاً ذهبت كافة المحاولات التي بذلتها لأسلخ الصورة عن رأسي ، كانت شيئاً قد دخل إلى الغرفة العاريـة ، وعلى إحساسي ، وتمزق الصمت الميت تحت الصرير الحاد الذي كان ما يزال ينحدر من المنقار الأسود المعقوف :
-
لقد تقابلنا مره قبل الأن ... اتذكر ؟ !

شعرت فجأة بأنني أعرف هذا الوجه تماماً ، وأني أرتبط معه بذكرى يجب أن لا تمحى ، نعم ، أنا أعرف تينك العينين الحادتين الغاضبتين الصامدتين للحظة اختيار مخيفة ..لكن أين تقابلن ؟ متى ؟ كيف ؟

لقد بدا كل شيء مغلفاً بضباب متكاثف ، ورغم ذلك كانت ثمة ذكرى تلتمع من بعيد ، إلا أنها كانت غامضة مغرقة في البعد ، هناك سد كثيف يحول دون رأسي وتلك الذكرى ، وكان لابد من التذكر . فعينا البومة الغاضبتين تبعثان دفقة إحساس حاد في نفسي بأننا قد تعارفنا قبل الآن .. ولكن متى ؟ وكيف ؟ وأين ؟ .

نهضت من فراشي إذ تيقنت استحالة النوم تحت تلك الوطأة وأضأت المصباح ثم وقفت أما الصورة الملونة : العيون هي ، لم تزل ، تطل غاضبة واسعة مغروسة في الوجه المفلطح العجيب . والمنقار المعقوف كنصل عريض لمنجل أسود ، لم يزل ، يطبق بعنف على ضرب من الاشمئزاز الساخر ، والريش الرمادي الملون بحمرة وقحة يتجمع خصلاً كصوف قذر بعد أن ابتل بماء المطر .

سقطت الذكرى ، بعد فترة ، فاصلة مدوية صاخبة فأورثتني دواراً مفاجئاً ، والتمعت خلال الضباب المتكاثف كل الأشياء التي ذكرتني بها البومة المخيفة ، وبدا لي أننا نعرف بعضنا جيداً .

***
كان ذلك قبل عشر سنوات على وجه التقريب ، كنت في قريتي الصغيرة التي تتساند دورها كتفاً إلى كتف فوق حاراتها الموحلة ، أذكرها الآن أشباحاً تتلامح منذ زمن بعيد ، كنت طفلاً آنذاك ، وكنا نشهد ، دون أن نقدر على الاختيار ، كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً . كانت البنادق العتيقة في أيدي الرجال الخشنة تمر أمام أعيننا كأساطير دموية ، وأصوات القذائف البعيدة تدلنا أن معركة تقع الآن ، وأن – ثمة – أمهات يفقدن أزواجهن ، واطفال يفقدون آباءهم ، وهم ينظرون عبر النوافذ ، صامتين ، إلى ساحة الموت .

لا اعرف في أي يوم وقع الحدث ، حتى ابي أيضاً نسي ذلك ، كان اليوم المشؤوم ، كان أكبر من أن يتسعه اسم أو رقم ، لقد كان في حد ذاته علامة من علائم الزمن الكبيرة ، من تلك التي توضع في مجرى التاريخ كي يقول الناس " حدث ذلك بعد شهر من يوم المذبحة " .. مثلاً .. كان يوماً من تلك الأيام لا شك ، وإلا لكنا حشرناه تحت رقم او تحت اسم أو تحت عنوان .

لقد بدأ الهجوم قبيل منتصف الليل وقال أبي الشيخ لامي فيما هو يتنكب بندقيته الثقيلة :
-
انه هجوم كبير هذه المرة ..
ولقد عرفنا ، نحن الصغار من أصوات الطلقات أنه هناك أسلحة جديدة وأن هناك هجوماً من ناحية أخرى لم تطرق قبل الآن .. وان قنابل حارقة قد سقطت في وسط القرية فأحرقت بيتاً وأطفالا ، وحين نظرنا من خصاص النافذة الواطئه شاهدنا كمن يحلم – أشباح نسوة منحنيات يسحبن جثثاً إلى داخل القرية ، وكان يستطيع المستمع بإمعان أن يلتقط صوت نشيج مخنوق : إحداهن – هكذا كانت تشير أمي – فقدت زوجها وصمودها في آن معاً .

بعد ساعة من الهجوم المباغث ، تراجع رجالنا ، كانت جهنم قد صعدت إلى ظهر قريتنا ، وبدا لنا أن النجوم أخذت تتساقط على بيوتنا ، وقالت امرأة مرت تحت شباكنا تسحب جثة وتلهث :
-
انهم يقاتلون بالفؤوس ..
وقتال الفؤوس لم يكن غريباً على رجال قريتنا ، فلقد كان الفأس هو سلاح الواحد منهم بعد أن تتقيأ بندقيته كل ما في جوفها ، فكان يحملها على كتفه زاحفاً فوق الأشواك الجافة ، ثم يشاهد المحاربون من خنادقهم الرطبة شبح انسان راكع ، يرفع كلتا يديه فوق رأسه ما وسعه ذلك ، وبين كفيه يتصلب فأسه الثقيل ، ثم يهوي الفأس ، ويتصاعد صوت ارتطام عريض مخنوق ، ويبتلع الظلام أنة ممدودة يعقبها شخير عنيف ، ثم يصمت كل شيء .

لقد بدأ قتال الفؤوس إذن ، هذا يعني أن الرجال قد تلاحموا ، وأن جثثنا كثيرة قد ضاعت في خطوط الأعداء مطبقة أكفها بتشنج عنيد على الفأس ، واضعة أنوفها براحة مطلقة على التراب الطيب ، ومستلقية بهدوء .

بدأت قريتنا تنكمش ، ولم يعد هناك أي عمل للشيوخ غير أن يعودوا إلى بيوتهم ، ولقد شاهدنا أبي يعود منهكاً ، ولكنه لم يضع أية لحظة بل توجه لتوه على درج عتيق كان محظوراً علينا الاقتراب منه وتناول مسدساً صغيراً دفعه لأمي بعد أن تأكد من حشوه ، وأشار لها بعينيه تجاهنا ، أنا وأخوتي ، وقفل عائداً إلى الشارع .

كانت أختي الكبيرة قد فهمت كل شيء ، فأخذت تبكي دافنة رأسها في كفيها ، بينما ارتعشت أمي وهي تحمل المسدس على راحتها وتتوجه إلى النافذة ، في تلك اللحظة قرع باب عتيق كان يفصل بيننا وبين جيراننا – ولم نكن نستعمل ذلك الباب على الإطلاقوصاح صوت العجوز ، جارنا ، راجفاً : _ افتحوا .. افتحوا ..
أز الباب أزيزاً رفيعاً إذ سحبته أمي فاندفع العجوز إلى الغرفة خائفاً ، وأجال بصره فينا ، ثم توجه لامي وهمس في أذنها كلاماً أبدت استنكارها له ، ثم عاد فهمس بحماس اكثر. فترددت أمي ثم هزت رأسها موافقة ، وأشارت إلي أن أتبع العجوز إلى بيته ..

دخلت خلف العجوز إلى غرفة دافئة مفروشة ببسط ملونة . وأخذت أراقبه فيما هو يحرك ستارة ، ويتناول من ورائها صندوقاً صغيراً يضعه برفق بين ذراعي ، شعرت أن الصندوق أثقل من ما يبدو فتساءلت برأسي واتاني الجواب من فمه الأدرد :
-
هذه قنابل كان المرحوم ابني خبأها هنا .

وهز رأسه بأسى ، وانتبهت لكلمة ( المرحوم ) التي لم تكن تستعمل قبل ذلك في هذه الغرفة ، ولا في بقية الغرف ، فراودني شعور بالخوف بينما استمر الشيخ :
-
يوشك اليهود أن يدخلوا القرية .. وإذا وجدوا هذه عندي قامت قيامتهم !
وتباطأت كلماته ، وبدأ يحرك إصبعه في وجهي حركة تحذير :
-
أنت صغير ، وتستطيع أن تخترق الحديقة .. أريدك أن تدفن هذا الصندوق في أخرها .. تحت شجرة التين الكبيرة .. ربما احتجنا له فيما بعد ..

سرني أن أشارك بعمل بطولي ، فاندفعت إلى خارج الباب ، وعندما وجدت نفسي في الطريق إلى الحديقة تملكني خوف رهيب ، وحدثتني نفسي ، وهي ترتجف أن ألقي حملي الثقيل وأقفل عائداً أدراجي ، لكني تنبهت إلى أن أمي لاشك تطل من نافذتها وتشاهدني ، كانت السماء شبه مضاءة بقنابل اللهب ، وكانت الشرارات تلتمع في الأفق راسمة خطوطاً مقطعة ً منتهيةً بضوء ساطع ، وفي لحظات الصمت المخيفة التي كانت تتبع كل دفقة نار كانت تسمع أصوات ما تبقى من رجالنا تغني على طريقتها في المعارك غناء يبدو كأنه يتصاعد من عالم آخر ، عالم يموت فيه الإنسان وهو يعض على بقية الأغنية الحلوة ، ثم يتمها هناك في السماء .

اخترقت الحديقة منحنياً ، وكانت الطلقات تمس أعلى الشجر بصفير خافت ، وكانت التينة العجوز تنتصب في آخر الحديقة عندما وصلتها شعرت بحماسة غامضة ، وأنشأت أحفر في الأرض مستعيناً بعودة صلبة ، وفي اللحظة التي أسقطت فيها الصندوق بالحفرة ، سمعت صيحة حادة في أعلى الشجرة .. وتملكني خوف أسقط ركبتي إلى الأرض وأخذت أحدق مرتجفاً عبر الأغصان .. ثم شاهدتها ، على ضوء اللهب المتصاعد في سماء قريتنا ، تقف هناك وتحدق إلي بعينين واسعتين غاضبتين أخفى أعلاهما انحدار الحاجب عليهما .. كان منقارها معقوفاً كمنجل اسود ذي نصل عريض ، ورأسها الكبير كصورة قلب رمزي مفلطح يتمايل بانتظام ، كان ريشها مبتلاً بماء المطر الذي انهمر في أول الليل ، وكان يومض في عيونها ذلك الغضب المشوب بخوف غريب ، وكانت تحدق إلي عبر الظلمة ، تحديقاً متواصلاً لا يرتعش .

هدأ الرعب في صدري ، وعدت إلى عملي حتى إذا أكملت أنشأت أنظر إلى البومة بإمعان ، كانت ما تزال على وضعها الأول وكان ضوء القنابل المباغت يعطي لعيونها ظلالاً مرعبةً ، وبدت لي أنها مصرة على وقوفها المتحدي ، وأنها سوف تبقى رغم كل الرصاص والموت.

عدت أدراجي إلى البيت ببطء وهدوء فلقد زايلني كل خوف كنت أحسه قبل أن أراها .. ثم لم املك إلا أن أتوقف هنيهة وأعود إلى النظر إليها ، كانت ما تزال تحرك رأسها المفلطح بتحذير إنساني عميق ، وعلى إماضة قنبلة بعيدة ، شاهدت في عينيها ذلك التحدي الباسل ، الخائف بعض الشيء ، ولكن الصامد لضغط لحظة اختيار واحدة بين الفرار والموت .

***
وأوشك الصبح أن يطلع وأنا في وقفتي أمام الصورة الملونة الملصوقة على الحائط العاري .. لقد أنهكتني الذكرى ولكني أحسست بارتياح غريب فجأة ، فهأنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة ! وأين ؟ في غرفة منعزلة مترامية تتنفس بوحدة مقيتة ، بعيداً عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولات والموت ، وكانت البومة لا تزال ملصوقة على الحائط تحدق في ، عبر زمن متباعد وينحدر منقارها المعقوف صرير حاد :
-
آيه أيها المسكين .. هل تذكرتني الآن ؟؟ !



الكويت - 1959




شيء لا يذهب

القطار اللاهث يصعد الطريق الجميل إلى طهران ... قال لنا مفتش القطار قبل ان نغادر عبدان أن علينا أن نحرس أنفسنا، فالطريق طويل، واللصوص ينتهزون فرصة حلول الليل.. كي يمارسوا طريقتهم الخاصة في الحياة ..
قررت أن لا أنام ..فثمة كتاب ملون أستطيع أن أقرأه في الليل ... كتاب ألفه إنسان كان يحس أكثر من اللازم ، ويفهم أكثر من اللازم ... ومقصورتي في القطار متواضعة .. ايرانية جميلة تجلس في المقعد المقابل تفحصني كي تستكشف في اللص ، لم تطمئن إلي بعد ... وعجوز ، قد يكون أباها ، سقط في النوم قبل أن يخفق القطار بالرحلة الطويلة ... وصديق هادئ يجلس إلى جانبي يستعرض الطريق .. أحسن ما في هذا الصديق أنه لا يثرثر ، وإذا تكلم ... فاللغة العربية ..
أحسن طريقة كي أحرس نفسي ومن معي ، كما أوصانا المفتش السمين الذي يعرف سبع كلمات عربية ، أن لا أنام ... لقد أبدى المفتش السمين قلقه علي ... فأنا نحيل ذو وجه اصفر قد لا أستطيع أن أسهر .. ولكنني قلت له إنني استطيع .. ولم افهم نكتته الايرانية التي ضحك لها طويلاً وهو يغمز مشيراً إلى الحسناء .. بينما احمر وجه الأخيرة .. وصعدت القاطرة مع والدها العجوز ..
قال لي صديقي ان وجه الإيرانية لا يعجبه بتاتاً .. وأنها تشبه الدكتور مصدق .. الذي لو كان امرأة لما كان بديعاً قط... وهكذا اعتقد صديقي أنه إذا سنح له الحديث مع الحسناء فسيكون سيد الفرصة بلا غريم ... بعد ان اطمأن إلى أنه اقنعني بملاحظته ...
كنت في الحقيقة لاأرغب في الكلام .. كان الكتاب بديعاً .. طباعته انيقة ، وصوره فذة .. وكلماته ليست سوى غطاء بئر سحيق ، إذا ما تمكنت من رفعه ، فسوف لن ترى القاع البعيد مطلقاً ..
كان الكتاب يحمل اسم عمر الخيام ..
وقيمته بالنسبة لي هي أنه أشير مره إلى رباعية فيع بالقلم الرصاص .. وضعتها الفتاة التي أحببتها .. الرباعية تقول :
"
آه أيها الحب .. لو أستطيع أنا وأنت أن نتفق مع القدر .. كي ندمر هذا الطابع الوحيد للعالم ..
إلى قطع صغيرة صغيرة ..
ثم نعيد بناءه من جديد .. كما تشتهي قلوبنا .."
فتحت على تلك الصفحة دون أن أشعر .. فرائحة الطريق الطويل بدت مثيرة .. كانت الدائرة المرسومة حول الرباعية بالقلم الرصاص تكاد ان تختفي . لقد مرت سنوات ثمان على اليوم الذي رسمت فيه هذه الدائرة .. ورغم ذلك فأنا لن انساها مطلقاً ..
لا أريد أن أنام في القاطرة .. لا لأحرس نفسي.. بل لأستعيد اللحظات الضبابية لما حدث قبل ثمان سنوات.. لقد بدأت العتمة تهبط .. وبدا لوهلة ان صوت العجلات المنتظمة .. موسيقى غريبة تدفع بهذا الراس المرهق .. إلى الماضي ..
***
اطمأنت الايرانية الحسناء أخيراً إلى أنني لست لصاً ، أو لست لصاً خطيراً على الأقل .. فاستسلمت لإففاءة قلقة .. وبقي صديقي يحدق في الطريق المعتم دون أن يكف عن التحديق في الحسن النائم أيضاً ..
كانت ليلى تطلب مني ألا انظر إليها عندما تنام .. كانت تعتقد أن تقاطيع وجهها تكون صادقة عندما تفقد التحكم بها .. وهي لا تريد أن أعرف شعورها الحقيقي تجاهي .. تخاف أن أصبح مغروراً ..
لم يكن اسمها ليلى .. كنت ادعوها ليلى لانها كانت تدعوني ( قيساً ) ..
دارنا في حيفا لم تكن بعيدة عن دارها كثيراً .. خلف أول منعطف يقع على يمين دارنا ، ليس عليك سوى أن تعد أربعة أبواب ثم تصعد بناية بيضاء إلى الطابق الثالث ، فستجد بيت ليلى لا محالة .. إذا لم تكن هذه البناية قد تهدمت بعد قصف حيفا ، فلا شك أن ليلى ما زالت تسكن هناك ..
لقد خرجت من حيفا قبل أن تسقط في يد اليهود .. ولم امسك بندقية في حياتي قط .. كان الشارع الطويل الذي ينصب فيه شارعنا هو ميداني الوحيد .. كنت مشهوراً في ذلك الشارع بأنني احدى علاماته ، وكان شباب حينا يقولون : " إذا اردت ان ترى خيري ، ففتش على اجمل فتاة في الشارع تجده خلفها ."
قالت لي ليلى لعد أن تعرفت عليها جيدا ً : أنت رجل مائع يا خيري .. ولكنك لست هكذا في حقيقتك .. ولهذا أعتقد انني ساحبك .
كانت ليلى من نوع آخر .. ولكنني لم اكن اعرف ذلك في أيام تعارفنا .. كنت أعرف أنها تخفي شيئاً ما .. ولكنني لم أكن اعلم ان تلك الفتاة الناعمة ..كانت تقوم بعمليات نسف ، يعجز عن تصورها رجل متوسط الشجاعة . ولم تقل لي ذلك مطلقاً إلا بعد الحادث المؤؤوم الذي وقع .
في الحقيقة ، انني لم اكن أعرف من هو عمر الخيام ، وهي التي علمتني عنه اشياء كثيرة .. كنت اعجب بصور كتابه أكثر من اعجابي برباعيته التي كنت اعتقد أنها هذيان إنسان مريض بنزلة صدرية حادة ..
الحب العنيف ، الذي كانت تسميه دوامة تغوص في مستنقع ، لم يستطع ان ينسيها القضية .. بل كانت تتعذب في سبيل أن تفهمني أن حياتنا ليست شيئاً .. وانها تبلغ ذروة قيمتها لو قدمت من اجل سعادة آلاف عيرنا ...
وعندما فهمت أول رباعية من رباعيات الخيام ، قلت لليلى إن هذا الرجل إنسان انهزامي .. كنت سعيداً بهذا الإكتشاف ، وقلت في ذات نفسي يومها أن ليلى ستكون فخورة بي ... ولكنها لم تقم بما يدل على انها فخورة .. قالت لي وهي تشير إلى الكتاب : " الإنسان الذي يحس أكثر من اللازم ، خير من الإنسان الذي لا يحس بالمره ... "
هذا " الإنسان الذي لا يحس بالمره " استطعت أن افهم مؤخراً انه انا .. ولم أغضب يوم أكتشفت ذلك .. إذ كانت قصتي مع ليلى قد انتهت يومذاك .
لكن ليلى تغيرت فيما بعد .. إذ انه في الوقت الذي كان يناضل فيه بعض الناس ، ويتفرج " بعضٌ : آخر ، كان هنالك " بعض " أخير يقوم بدور الخائن ..
وبواسطة هذا النوع الاخير من الناس ، قبض اليهود على ليلى وهي تحاول القيام بعمل لم اتمكن من معرفته قط . وعادت بعد تسعة ايام كاملة .. ولم تستطع أن تحفظ حياتها إلا بعد مجموعة لا أحد يدري كيف حدثت ..
اللحظة التي قابلتها فيها بعد عودتها من ": الهادار " لم تزل راسخة في ذهني .. كنت اتوقع أن اراها تبكي ، أو ترتجف .. إذ كنت قد سمعت من أفواه كثيرة قصص الليالي الفظيعة التي امضتها في السجن .. ولكنني عندما رايتها كانت هادئة هدوءاً مخيفاً .. لم يعد في عينيها أي بريق .. فقط وجه حزين صامت .
قالت لي بصوت منخف هادئ :
-
لقد ضاجعوني طوال تسعة ايام ..
لم استطع أن اقول شيئاً .. بل لقد خيل إلي أنها قالت : " لقد كنت اصلي طوال تسعة ايام " .. شعرت أن الكلمة التي يمكن أن أواسيها بها شيء حقير .. لا قرار لحقارتها أبداً .. وانتشلت الموقف بكلمة أخرى :
-
يحسن بك أن تتركني .. انا امرأة مهترئة ..
***
كان القطار قد وصل إلى محطة تقع في ثلث الطريق .. وبدأ يئز أزيزاً مزعجاً كي يقف .. صحت الإيرانية الحسناء وبدأت تتزين من جديد ، ما زال العجوزنائماً ، وصديقي يحدق بالطريق لقد مرت امامي أشجار صغيرة ... ثم بدأ رصيف المحطة مضاء بانوار باهتة ينسحب امام النافذة ...
على الرصيف لمحت طفلاً في السابعة من عمره تقريباً ، كانت ملابسه ممزقة ، ولكنها نظيفة .. كان يعد القاطرات باصبعه وهي تمر من امامه ببطء . كان يعد باللغة العربية ..
أشار صديقي إلى الطفل ... واصغينا سوية إلى صوته الدقيق .
-
ستة .. سبعة .. ثمانية ..
هز صديقي رأسه وقال باقتضاب :
-
عربستان ...
وتاسف قليلاً ، ثم هبط من القاطرة يبحث عن طعام .
الطفل الأسمر جميل الطلعة .. كان يبيع أشياء للتسلية ، ولكنه بدا أنه نسي وظيفته وهو يراقب القطار الطويل .. وكان يبدو منهكاً .. استدعيته إلى نافذتي وسالته بالعربية :
-
ماذا تبيع ؟..
قال وهو يتسلق النافذة :
-
وأنا عربي أيضاً ..
-
ماذا يشتغل والدك ؟
-
إنه يبيع الصحف . هناك ..
***
بدا القطار يخفق من جديد ... الطعام الذي أحضره صديقي لي ، اكلته الإيرانية ، لم اكن أرغب في الأكل ... كان الكتاب مازال مفتوحاً على الراعية التي يلفها خط يكاد يختفي بالقلم الرصاص .
وقرأت الراعية من جديد ، وبصوت عالي جعل الإيرانية تتوقف على المضغ :
"
آه أيها الحب ، لو استطيع انا وأنت أن نتفق مع القدر على تدمير هذا الطابع البائس الوحيد للعالم إلى قطع صغيرة صغيرة .. ثم نعيد بناوءه من جديد كما تشتهي قلوبنا .. "
لم أكن قد استحق ليلى .. كانت احسن مني بكثير ، كنت جباناً ، اخاف من الموت ... ورفضت ان احمل سلاحاً كي ادافع عن حيفا .. كنت في رأس الناقورة عندما قالوا ان حيفا سقطت في يد اليهود ، ولا أدري لماذا تذكرت لحظتذاك جملة قالتها ليلى قبل ان أغادر حيفا :
-
إنني لا استطيع أن أنس التسعة أيام القاسية .. ولكتي أريد أن استمر في .. الدفاع عن حيفا .. انا أعرف أنني قدمت شيئاً أكثر من حياتي .. ولكنني اريد أن اقدم حياتي نفسها فهذا افضل . باستطاعتك أن تغادر حيفا ، أن تهرب من حيفا .. ولكنك يوم سياتي لابد من ان تصحو .. وتكتشف .. وتندم ..
ليلى الحزينة .. البائسة ... بقيت في حيفا ورفضت ان تخرج منها .. وقالت لجيرانها عندما اتوا ليجروها معهم أنها فقدت كل شيء ولا تريد أن تفقد ماضيها الجميل في حيفا الجميلة ... تريد أن يبقى لها شيء لا يذهب ...
لقد مضى زمن طويل على اليوم الذي خرجت فيه من حيفا .. واشعر اليوم أنني لم أكن أستحق ليلى مطلقاً .. بل لم أكن أستحق حيفا نفسها .. لماذا اهتمت هذه الإنسانة النبيلة بإنسان جبان مثلي ؟.. لماذا تلاحقني هذه الإنسانة الرائعة طوال ثماني سنوات ؟ لماذا تلح على رأسي كما تلح صفارة القطار قبل أن يدور حول المنعطف ؟
***
صحا العجوز من نومه الطويل .. وحدق بعيون ضيقة كانها شقوق ارض جافة بانحاء القاطرة .. وابتسم في وجهي ثم هتف بعربية مكسرة وهو يشير إلى الكتاب الملقي على ركبتي :
-
عمر الخيام ؟
هززت برأسي وتركته يلتقط الكتاب ويتفرج على صوره ..
كان رفاقي يتهمونني دائماً بانني من عشاق الخيالات . وعندما قلت لهم وأنا في الكويت أنني أريد أن أذهب لإيران كي أضع باقة ورد على قبر الخيام .. ضحكوا جميعهم وقالوا :
- "
إنه يريد أن يعيش تجربة عنيفة يوهم نفسه فيها أنه يحب ! "
شعرت بانني انسان لا يعيش على أرضه ، وبدا لي في لحظة أن ماضي شيء مخجل في الحقيقة .. ثماني صنوات اجتر ذكرى ليلى كانها إنسانة صنعتها فقط لاذكرها .. تراها كانت موجودة خقاً إنسانة اسمها ليلى ؟ أم أنني صنعتها ثم صدقتها ؟
فتح صديقي نافذة القاطرة .. فصفع وجهي هواء بارد ، وشعرت باللحظة نفسها ان ليلى لا يهمها مطلقاً أن أضع باقة ورد سخيفة على قبر عمر الخيام .. كي اوهم نفسي بانني ضحية حب عنيف ..
لماذا أصر على الإحتفاظ بكتاب الخيام ؟ إن أحداً لا يعرف الحقيقة .. تراني أريد من الكتاب أن يوهم الآخرين بأنني مازلت مرتبطاً بحيفا ؟
أعاد العجوز كتاب عمر الخيام شاكراً ، وحينما سقط الكتاب على ركبتي انفتحت صفحاته على الرباعية المحاطة بالخط الباهت لقلم رصاص قديم ..
"
لم تستطع ليلى ان تغيرني .. " شعرت هذا بوضوح الآن .. انسان لا فائدة منه . هذا كل شيء ... باقة ورد على ضريح انسان ميت .. شيء يذهب ، لقد قالت لهم أنها تريد أن يبقى لها شيء لا يذهب ..
أزت العجلات وهي تدور حول منعطف واسع ، وصفر القطار .. ثمة مقبرة في الأفق ، وشواهد القبور البيضاء مغروسة في التراب كالقدر .. باردة ، قاسية ، ولا تذبل .. ترى هل يوجد فوق قبرها رخامة ؟


دمشق1958



منتصف آيار

عزيزي ابراهيم
لست أدري لمن سوف أرسل هذه الرسالة . لقد كان عهدي لك ان أحمل إلى قبرك في كل منتصف آيار بعض ازهار الحنون ، فأنثرها فوقه .. وها قد وصل منتصف آيار دون أن أجد ولو زهرة حنون واحدة.. ولو وجدتها.. فكيف لي أن أصل إلى قبرك كي أعطيكها ؟ .. لقد مضت اثنتا عشرة سنة.. وأعتقد أنك بعدت كثيراً عن كل شيء.. فكما أنت تغور إلى أعماق الأرض وتتفتت، فأنت أيضاً تغور في ذاكرتنا، وتتلاشى ملامحك، حتى ملامحك، لم أعد أذكرها جيداً.. أما صوتك فلست أعرف كيف كان .. عيونك ، لم أعد أذكر كيف كان بريقها .. ويصعب علي كثيراً أن أتصور حركتك.. كل الذي بقي منك في ذهني . جسد جامد .. كفاه فوق صدره .. وخيط رفيع من الدم يصل بين شفتيه وأذنه ، وأذكر _ بوضوح هنا _ كيف حملوك وألقوك في الحفرة بملابسك كلها .. ثم أهالوا التراب، بينما مزق صمود رفاقك صوت نحيب مجروح أخذ يعلو خلفنا شيئاً فشيئاً، ثم يصمت...
والسؤال الآن هو: لماذا اكتب لك ؟.. ألم يكن الأجدر بي ، وقد فشلت في حمل أزهار الحنون الى قبرك .. أن استمر في الصمت الذي بدأ منذ اثنى عشرة سنة ؟ يبدو أنه من المستحيل ان استمر في صمتي ... ان منتصف آيار يضغط على صدري وكأنه قدر مجنون ، اخطأ ذات مرة .. فقتلك بدل أن يقتلني..
إن خيوط القصة بدأت تنحل في رأسي .. واخشى أن أنساها .. هل تصدق ؟. إني _ حقاً _ اخشى ان أنساها ! وربما نسيتها أنت .. فما الذي يعني منها الآن ؟... ولكني أريد أن اساعدك ، وأساعد نفسي في نسج خيوطها من جديد .
معظم القصص ليس لها بداية .. ولكن الغريب ان قصتنا معاً لها بداية واضحة .. بل أكاد أقسم أن بدايتها من الوضوح بحيث تستطيع أن تعتبرها فصلاً مستقلاً عن جريان بقية أحداث حياتنا ..
كان الوقت بعيد العصر بقليل، وقد وقفنا _ انت وأنا _ إلى جانب الحجر الكبير الذي كان يشكل مقعداً أمام بيت جدك... كنا بدأنا التعلم على استعمال الأسلحة .. وحتى تلك اللحظة ، كانت أهدافنا علب الأطعمة المحفوظة الفارغة .. وصفائح الزيت العتيقة . وإذا لم تني ذاكرتي استطيع أن أقول أننا استعملنا " ضوء الكاز " كهدف لرصاصنا مرتين أو ثلاثة .
كان الوقت عصراً .. نعم ، سوف اؤكد على هذا مرة اخرى لأن الصورة لا يمكن أن تكتمل عناصرها إلا إذا دخل إليها ضوء العصر .. لقد وقفنا إلى جانب الحجر الكبير ، ثم سمعت صوتك :
-
ألست تريد الإنتقام ؟
وتبعت سؤالك سلسلة من الضحكات القصيرة قبل أن أسأل بدوري :
- "
مم " ؟
ورفعت اصبعك تجاه الحائط المقابل .. وأشرت إلى شيء ما ثم قلت والضحكة ما زالت تمسح كلماتك :
-
من القط الذي سرق زوج حمام من البرج ..
وضحكت انا الآخر .. وتذكرت كيف استطاع هذا القط الملعون أن يصل إلى برج الحمام في الحديقة في ليلتين متتاليتين ويسرق منه زوجاً من أجود الحمام الذي يحرص جدي، ونحن، على تربيته..وقبل أن اصل إلى قرار سمعتك مرة اخرى..
-
سوف أقتله أنا إذا خانتك شجاعتك ..
ورفعت بندقيتك إلى كتفك .. واطلقتها ، ومن خلال الدخان ذي الرائحة الغريبة ، شاهدنا القط المسكين يقفز مذعوراً إلى الوراء .. ثم يطلق ساقيه للريح إلى سور الحديقة المجاورة، ويقف فوقه متحفزاً يحدق بعين مدهوشة إلى حيث خدشت الرصاصة جزءاً من الحائط العتيق.. لست ادري أي شيطان جعلني أهتف:
-
أخطأته .. سوف أجرب حظي ..
إنني أذكر كيف صوبت إلى رأسه.. وحينما رأيته مقعياً على الصور من خلال انفراج علامة التصويب في مقدمة بندقيتي، شعرت برجفة.. واضطرب التصويب لفترة.. كانت عيونه تحدق _ ماتزال _ حواليه بجزع ودهشة.. بينما أخذ ذيله يضرب الأرض بانتظام، وأذناه تنتصبان وتميلان بحثاً عن الخطر.. وفي لحظة ثانية رايته في منتصف علامة التصويب.. فضغطت الزناد .. لقد لطمته الرصاصة في وجهه .. فانقلب وتشنجت أرجله في الهواء تتحرك راجفة .. ثم هوى إلى جنبه واخذ الدم يتدفق ..
وقدتني إليه، وقلبته بمقدمة سلاحك.. وهتفت ..
-
إصابة رائعة .. في منتصف رأسه .. لقد قطعت سلسلة أفكاره ..
ولكني كنت قد بدأت اتقيأ.. ثم لزمت الفراش أكثر من أسبوعين ..
حينما زرتني انت بعد فترة .. سألتني ضاحكاً
-
ماذا ؟ القط المنقط اللص .. يجعلك تذوي هكذا ؟ . شيء مضحك ! . ألم تعد نفسك لخوض معارك تقتل فيها رجالاً لا قططاً ؟
شعرت بالعار .. لست أدري كيف تكونت الكذبة تلك الساعة .
-
القطط ؟ انت مجنون .. لقد كنت أقتل قططاً بالحجارة وانا طفل ؟.. كل ما هنالك أن كتف البندقية انزلق بعد الإطلاق ، فلمس حلقي .. وهذا هو السبب الذي جعلني أتقيأ. ثم إني كنت مريضاً من قبل..
هل انطلت عليك الكدبة ؟ لست ادري إلى الآن .. ولكن الذي طمانني يومها ، أنك عدت إلي في المساء .. وهمست في أذني أن أعد نفسي لهجوم ما .. خلال يومين..
وفي السيارة التي حملتنا إلى المستعمرة المجاورة .. كنت تغني كالعادة .. بينما ما أزال أعاني من وطأة الحادث .. ولكزتني فجأة ملفتاً نظري إلى الحقل وقد بدأ آيار يعطيها لون حياة جديدة:
-
هذا الحنون .. لقد كنا نفتش داخله عن حشرات ملونة لطيفة.. وكنا نقطع ألف زهرة حنون حمراء كي نجد حشرة واحدة .. يا سلام .. سوف .. أكون سعيداً لو عاهدتني على أن تحمل إلى قبري في كل آيار باقة حنون .. اتعاهدني ؟..
-
أنت سخيف. ولكن إذا كان عهدي سوف يسكتك فأنني أعاهدك ..
ماتت الضحكة على شفتي، وضممت بندقيتك إلى صدرك، وقلت بصوت واه، لكنه عميق:
-
شكراً ...
لقد نزلنا، عند الظهر، في حقول المستعمرة.. كانت الخطة جريئة ولكنها ممكنة .. إحتلال البيوت المتطرفة من المستعمرة ثم نسفها.. والعودة إلى بلدتنا من جديد ...
ولكن الذي حدث كان غير ذلك .. لقد فاجأنا اليهود في حقولهم، ونشبت معركة ضارية.. كنت إلى جانبك .. وكنت اطلق نيران سلاحي كيفما اتفق ، فلسنا نرى احداً نصوب عليه .. وكنا – خلال ذلك – نستمر في الزحف بين الأشواك والزرع .. هل كنت خائفاً يومها ؟ لست أذكر الآن .. ولكن ذلك اليهودي الذي انتصب امامنا واقفاً حين فجأة، شل تفكيري.. كان يحمل قنبلة يدوية ألقاها فوقنا .. وسمعت صوتك والدخان يكاد يعمينا :
-
أقتله .. لقد علق رصاص مشطي ...
-
وانجلى الدخان .. كان ما يزال واقفاً يحمل قنبلة ثانية ويفتش بين الزرع عنا .. ورايته من خلال علامة التوصيب يقف هناك .. بعيون مذعورة .. مرت لحظات دون أن يستطيع أصبعي شد الزناد .. كنت أرتجف .. وبقي الهدف واقفاً في منطقة تصويبي .. كنت اشاهده من خلال اداة التصويب .. ومن خلال هذه الأداة ، شاهدته يكتشفك .. ويلقي فوقك بقنبلته الثانية ويولي الأدبار ..
وهكذا أرجعناك إلى بلدتنا حيث دفنوك بكامل ملابسك كما يجب ان يدفن الشهداء .. وكانت امك تبكي خلف رفاقك ... بينما أخذت أنافي غمرة عاري – ازرع التراب الندي باقة حنون جمعناها في طريق عودتنا .
لقد مر اثنا عشر عاماً على ذلك اليوم ... وانا ملاحق من عاري .. كل آيار يثقل صدري ككابوس لا يرحم ..
والسؤال الذي يجأر في راسي .. هو: لماذا أذكرك الآن.. وأكتب لك .. أما كان الأجدر بي أن استمر في صمتي ؟؟
كلا .. أني لا أستطيع .. الأيام تمر .. وانت تغور في الرمل .. وأخشى أن أنساك.. إني لا أريد أن انسى ، رغم كل العذاب الذي يحمله التذكر .. فقد يستطيع هذا العذاب أن يجعلني أحس يوماً بمدى ما هو ضروري أن اعود إلى قبرك .. فأنثر فوقه بعض أزهار الحنون ..
لست أعرف مبلغ تطوري الآن .. هل أستطيع أن أقتل يهودياً دون أن أرتجف ؟ لقد كبرت .. وجعلتني الخيمة أشد خشونة .. ولكن كل هذا لا يعطيني يقيناً ..
يقيني الوحيد .. هو اني أشعر بالعار ملتصقاً بي حتى عظمي .. هل يكفي هذا ؟؟ اعتقد أنه يكفي .. فالقط الذي قتلته لم يفعل سوى أنه سرق زوج حمام يأكله.. وكان السبب هو جوعه حتماً... اما الآن فأنا بازاء جوع آلاف من الرجال والنساء .. أقف معهم أواجه لصاً سرق منا كل شيء ..
أيكون هذا هو السبب الذي جعلني انفك عن صمتي .. كي أزيد التصاقي بك ؟.. سوف تغفر لي اعترافي .. لقد اكتشفت انا – كما يجب أن تكون اكتشفت انت منذ بعيد – كم هو ضروري أن يموت بعض الناس .. من اجل أن يعيش البعض الآخر .. انها حكمة قديمة .. اهم ما فيها الآن .. أنني اعيشها .




الكويت 1960



في جنازتي

أيتها الغالية...
لو أردت الحقيقة فأنا لا اعرف ماذا يتعين عليّ أن اكتب لك..كل الكلمات التي يمكن أن يخفقها قلم مشتاق كتبتها لك عندما كنت هناك, أما الآن..فلا شيء أستطيع أن لا أكرره على مسمعك.. ماذا أقول لك؟ أأقول كما يقول أي إنسان سوي بان حبك يجري هادراً في دمي كطوفان لا يلجم؟ كنت أستطيع أن أقول لك ذلك لو كان هذا الذي يجري في شراييني شيئا ذا قيمة.. ولكنني في الحقيقة إنسان مريض.. فالدم الذي يحترق فيّ لا قيمة له على الإطلاق: فهو دم يليق بإنسان عجوز, نصف ميت, نصف ساكن, ليس في صدره سوى صناديق الماضي المقفلة, أما مستقبله فمجرد شمعة تضيء آخر لهبها كي تنطفئ, كي ينتهي كل شيء..
كنت اعتقد, أيتها الغالية, أن الأيام حين تمر سوف تبلسم قليلا من الجرح.. ولكن يبدو لي الآن أنني اشتد تهاويا كشيء افرغ من تماسكه على حين فجأة فهو لا يعرف ماذا يقيمه. أن كل يوم يحفر في صمودي صدعا لا يعوض.وكل لحظة تصفع وجهي بحقيقة أمر من حقيقة.. اليوم صباحا صعدت الدرج راكضا وحين أشرفت نهايته أحسست بقلبي ينشد على ضلوعي ويتوتر حتى ليكاد ينقطع..أي شباب هذا؟ أي قيمة تبقى يا عزيزة؟ آية قيمة؟ لماذا أسير اكثر إلى الأمام؟ أي شيء يلوح كالشبح في ظلمة سوادها أقتم من ضمير طاغية؟ أي شيء أفدته من حياتي كلها..نعم ؟ أي شيء؟
ولكنني كنت أعيش من اجل غد لا خوف فيه..وكنت أجوع من اجل أن اشبع ذات يوم.. وكنت أريد أن اصل إلى هذا الغد..لم يكن لحياتي يوم ذاك أية قيمة سوى ما يعطيها الأمل العميق الأخضر بان السماء لا يمكن أن تكون قاسية إلى لا حدود.. وبان هذا الطفل, الذي تكسرت على شفتيه ابتسامة الطمأنينة, سوف يمضي حياته هكذا, ممزقاً كغيوم تشرين, رماديا كأودية مترعة بالضباب, ضائعا كشمس جاءت تشرق فلم تجد افقها..
ولكن السماء, والأرض, وكل شيء, كانوا على شكل مغاير لأمال صغيرة... لقد مضت قاسية بطيئة.. وحين كبر تسلمته عائلته كي يعطيها اللقمة التي أعطته يوم لم يكن يستطيع أن ينتزعها بنفسه.. المسؤولية شيء جميل... ولكن الرجل الذي يواجه مسؤولية لا يقدر على احتمالها تسلب رجولته شيئا فشيئا تحت ضغط الطلب...كل شيء في العالم كان يقف في وجهه...كل إنسان كان يصفعه, وكل يوم يمر كان يبصق في وجهه شعورا مرا حاد المرارة بالتقصير.
ورغم ذلك... كنت أقول لذات نفسي "اصبر، يا ولد، أنت ما زالت على أعتاب عمرك، وغداً، وبعد غد، سوف تشرق شمس جديدة, الست تناضل الآن من اجل ذلك المستقبل؟ سوف تفخر بأنك أنت الذي صنعته بأظافرك, منذ اسه الأول...إلى الأخر" وكان هذا الأمل يبرر لي ألم يومي؛ وكنت أحدق إلى الأمام أدوس على أشواك درب جاف كأنه طريق ضيق في مقبرة...
ثم حدث شيء جميل, لقد انشقت الغيوم المتكومة عن ضوء بعيد, تحررت قليلا من ضغط الحاجة.. ثم.. ثم تعرفت إليك..أتذكرين؟ لقد جمعتنا حفلة صغيرة, وحين التقت عيوني بعيونك أحسست بمعول ينقض في صدري فيهدم كل المرارة التي اجترعتها طوال طفولتي... كان شعرك في أروع فوضى, وكانت عيونك مؤطرة بسواد آسر... لقد وجدت نفسي أحدق إليك دون وعي وكتبت أنت عن هذه اللحظة في مذكراتك ـ التي قرأتها فيما بعد ـانك استلطفت هذا البحار الذي يحدق كأنما يوشك أن يرمي مرساته في ميناء...
ومرة بعد مرة كنت أراك فأرى نفسي اشد التصاقا بنفسي... كنت اقف أمامك كطفل يفصله عن لعبته زجاج واجهة ملونة فحسب.. وترتجف الكلمات الموهنة في حلقي ثم تتساقط واحدة تلو الأخرى إلى صدري فاسمع لها خفقا عنيفا يهز أضلاعي... وعرفتك اكثر فاكثر... وكتبت في مذكراتك عن تلك الأيام..
إنني انتظر أن اعرفه اكثر فاكثر..." وكنت أنا لا أقوى, بعد, على كتابة أيما شيء عنك...
ثم... آه أيتها العزيزة, لقد أحببتك بكل القوى التي تحتويها ضلوع إنسان يبحث عن استقرار.. بكل خفقان القلب الذي تعذب طوال عمره... بكل صلابة الأضلاع التي جاعت, وتشردت وتألمت... من اجل هذه اللحظة... كنت المنارة التي أشرقت على حين غرة أمام الزورق التائه... ونشبت بهذا الإيجاد بكل ما في زنودي من توق إلى الطمأنينة...
وكتبت لي, يوم ذاك, تقولين: "لماذا أنا اشتاق إليك كل هذا الشوق, إذا كانت أنا تعنينا نحن الاثنين..كما اتفقنا؟"وكنت أنا أضم أملى بعنف يليق به. وكنت أريدك.. أريدك..بكل ما في الكلمة من طلب.. ودا لي أن الحياة قد ابتسمت أخيرا وان القلعة الجهمة من الألم, القلعة التي ارتفعت حجرا مرا فوق حجر مر في وجودي.. هذه القلعة اطل من فوقها الآن على كل هذه السعادة.. وأعطاني هذا التصوير رضى كاف..
وغبت عنك بعيدا حيث اقتلع لقم عيشي اقتلاعا.. وهناك, في ذلك البلد البعيد الذي يحتوي على كل شيء وليس فيه أي شيء.. البلد الذي يعطيك كل شيء ويضن عليك بكل شيء وفي ذلك البلد البعيد الذي يتلون افقه في كل غروب بحرمان ممض, والذي يشرق صباحه بقلق لا يرحم..هناك, كنت أعيش على أمل أن أستطيع, في يوم يأتيان أضع حدا لكل شيء.. وان أبدا معك من جديد منذ البدء.. ولكن القدر كان لا يريد للشراع أن يندفع في ريح طموح وحينما جأرت عيون الطبيب تدب إلى خبر الرعب الذي يجري في عروقي, أحسست بالقلوع كلها تتهاوى في أعماقي, وسمعت قرقعة التهاوي تدوي في أذني, ويدور عالمي بي حتى يغشى عيوني بضباب ساخن.. وعيون الطبيب إتمامي تكفن مستقبلي, وعروق جبهته العريضة تقدم تفاصيل عذاب متصل ناشف.
وحين عادت بي أعصابي, سمعت كلمات جوفاء يقيؤها الطبيب بلا أعماق, كلمات عن الأمل, عن الشجاعة, عن العلم, عن الشباب...كلمات فقدت بكل معانيها, أصبحت حروفها مجرد ديدان صغيرة تلتف حول نفسها بلا مبرر... ما هي الشجاعة التي يطالبني بها الطبيب؟ أن أواجه مستقبلات أنا اعرف انه مشوب بالحرمان والتعاسة؟ أم أن استسلم لهذا المستقبل بالقدرية التي تليق بعجوز باع حياته كي يشتري أخرته كتاجر بلا رأسمال؟ ما هو الأمل وأنا على يقين بان لا شيء يلوح في الأفق... أي شباب؟ نعم أي شباب هذا الذي لم يومض قط... الذي لم يعش قط..أي شباب؟ كم تافهة قيمة الكلمات التي يرددها الطبيب لمجرد أن كتب الطب قالت ذلك.
ولكن الصفعة الأقوى أتت حينما هبطت الدرج عائدا من عيادة الطبيب, لقد تذكرتك... وفي اللحظة التي ومض فيها وجهك الحي في عيني, ومضت في صدري صاعقة يأس سوداء...
هل تقبل هذه الانسانة رجلا مريضا؟ كي تنجب منه أبناء مرضى؟ هل تقبل أن تكون ممرضة؟ أن تعيش مع شاب نصف ميت؟
وكانت الأيام التي أتت ذات قساوة أعمق.. لقد فشلت أن أكون بطلا, أو شجاعا, كما أرادني الطبيب, وأحسست بان الأشياء الصغيرة التي كانت تملأ حياتي بالتفاصيل قد فقدت أهميتها بالنسبة لي, وان الأيام التي سوف تأتي لا تحمل في جوانحها أي خفقة جديدة لهذا القلب المسكين... لقد فشلت في أن امثل دور البطل... وكان كل شيء في الحياة يتحداني ويمتص صمودي ويشمخ أمام ضعفي كسد هائل من اليأس...
أنني امشي في جنازتي رغم انفي... كل العظات الجوفاء التي علمتها في السنوات الماضية تبدو لي الآن فقاعات صابون سخيفة شديدة السخافة, أن المرء يكون شجاعاً طالما هو ليس في حاجة أي الشجاعة... ولكنه يتهاوى حينما تصبح القضية قضية حقيقية...حينما يصبح عليه أن يفهم الشجاعة بمعنى الاستسلام..بمعنى أن يلقي جانبا كل ما هو إنساني ويكتفي بالتفرج, لا بالممارسة...
وكنت أنت, في كل طريقي إلى غرفتي, عذابي ودواري... وكنت أحس بك تتسربين من بين ضلوعي, من بين أصابعي, وإنني أعض عبثا على أمل لا يريد أن يبقى معي... وكانت جملتك تدوي في رأسي, جملتك التي كتبتها لي ذات يوم:"لو تبدلت أفكارك سأتركك... المهم سوف يكون فراق... أتفهم أنت معنى هذا الرعب ؟؟ " لم يتبدل رأسي, أيتها العزيزة, لقد تبدل دمي, تبدل كل شيء... وأخاف أن اقف أمام عيونك, استجدي حبك استجداء إنسان فقد أشياءه العزيزة.. أخاف ـ بكل ما في هذه الكلمة من جبن ـ أن أتطلع إلى عيونك فأرى معنى من معاني الرفض مغلفا بالشفقة.. سوف أحس بأن قدمي انزلقتا فوق الصخر الذي أمضيت عمري أتسلقه بكل قواي.. وسوف لن يقدر الوادي، قط، أن يعيد لي ولو شيئا من الرغبة في الاستمرار. أتعرفين معنى أن يفقد الإنسان كل شيء في مدى لحظات عودته إلى داره ؟ أتعرفين معنى أن يكتشف شاب بأن حياته القاسية الجافة لم تكن إلا عبثاً محضاً في لحظات قصار ؟ ثم ، أتفهمين معنى أن يقوم حب ما على أعمدة من الشفقة فحسب ؟
ونمت تلك الليلة في زورق جموح يناضل دوامة بلا قرار.. وكان رأسي مسرحاً لهزليات كثيرة تتعاقب دون رباط.. آرائي التي كونتها أصبحت في حاجة لتنظيف.. القيم التي عبدتها يجب أن تحطم .. الأحلام التي كونتها في صدري لم يعد لي حق امتلاكها، وكل شيء في ماضي وحاضري ومستقبلي تغلف بميوعة ذات رائحة عفنة.. وبدت لي كل القيم التي وضعها الإنسان المغرور لحياته ليست سوى هذيان سكران يريد أن ينسى..
وأفكار المريض، حينما تجمح به تصوراته، أفكار مضحكة مبكية.. لقد حبست لمدى لحيظات أن اختياري من بين آلاف الآلاف من البشر لأكون مريضاً الداء الملعون المزمن عملية تقييم فذة، وان هذا المرض وسام من طراز نادر يزين صدري من الداخل وأنني أكاد اسمع رنينه مع خفقان قلبي.. ولكن الحقيقة كانت شيئاً آخر.. وحينما صحوت كانت المأساة تمتد أمام بصري جهمة، حادة، سوداء، ممتدة في مستقبلي إلى ما لا نهاية، تعبق بالعجز والحرمان...
لماذا كنت أفكر فيك أنت بالذات اكثر من أي شيء آخر ؟. لقد بدا لي كل شيء ممكن الاحتمال، ولكنك أنت كنت عذابي الخاص الملح.. وكنت أريد، بكل قواي، أن احل هذا الإلحاح بصورة من الصور، أن أتركك اهرب... أو أن التصق بك أكثر فأكثر.. ولكن الموقف الخائف، الموقف المتردد كان يقض رأسي بلا رحمة..
وبعد يوم آخر، وصلت إلى قرار.. أنني، الآن، لا أعرف ما الذي دفعني إلى ذلك القرار، لقد نسيت، أو فلنقل أن الأحداث التي جرت فيما بعد جعلتني أنسى.. ولكن الشيء الذي اذكر أنه كان في رأسي حينما قررت قراري هو أنني يجب أن أكون بطلاً ولو مرة واحدة حقيقية.. أن أكون واحداً من أولئك الذين ترد أسماؤهم في القصص بصفتهم واجهوا مواقفهم الحادة بشجاعة فائقة، وصفعوا أقدارهم الخاصة بكل ما في وسعهم من قسوة.. وقلت لنفسي، فيا أنا سعيد بعض الشيء بأنني توصلت إلى قرار: " سوف أسكب لها الحقيقة، كل الحقيقة.. ولسوف تعرفه هي أي عذاب حملته لنفسي حينما قررت أن أتركها تبحث عن طريق آخر لحياة سعيدة، هي تعرف كم احبها.. ولو لم تستطع أن تفهم عظم تضحيتي الآن. فلسوف تعرفها في المستقبل.. على أي حال.. أنا لا يهمني أن تعرف أو أن لا تعرف.. كل ما هنالك، أن ضميري سوف يرتاح بعض الشيء، وان حياتي، سوف تكسب شيئاً من الطمأنينة، والقناعة.."
أنت لا تعرفين، يا عزيزتي، كم كلفني هذا القرار.. فلنقل إنني كنت مريضاً منهاراً فلم أستطع أن أفهم أي عمل أنا مقدم عليه.. فلنقل أنني أردت أن أغوص حتى عنقي في أوحال التحدي المغرور وأنني أردت لنفسي أن تفقد كل شيء على الإطلاق طالما هي فقدت أهم الأشياء.. فلنقل أنني أردت أن أمزق كل ما في صدري من بقايا الآمال المحتضرة وأن هذا التحدي السخيف كان الطريقة الوحيدة التي أستطيع أن أبرهن فيها لنفسي – ولو لأقصر مدى ممكن – أنه مازال في توقي أن أتصرف كإنسان.. كأي إنسان.. فلنقل أيما شيء، ولكن الشيء الماثل بإصرار هو أن قراري كان نهائياَ.. وأنني، طوال الطريق إليك، كنت قابضاً عليه في صدري بكل ما في قدرتي.. وان ضلوعي كانت تنبض بقسوة، ولكن بلا جدوى..
ما جرى، بعد، أنت تعرفينه جيداً كيفما يعرف إنسان ما وجه عملة ما.. ولكنه لا يعرف وجهها الآخر على الإطلاق.. وكنت أنا ذلك الوجه الآخر، لقد صارعت في داخلي بكل قواي كي أستطيع أن أقول لك، أو ألهث أمامك، قراري.. ولكن كل شيء كان يرفض أن يصل على حلقي.. كنت لا اقدر أن أقف كما يقف أي بطل شكسبيري ليزف مأساته بجرأة القرون الماضية.. وكنت ابحث جاهداً عن نافذة ادخل منها.. عن كلمة أتعلق بها.. عن أي شيء اتكئ عليه.. ولكنني أعطيتك في ترددي فرصة نادرة لتهدمي مكل شيء..
لقد كنت أجرأ مني في أن تعترفي بان هنالك رجلاً أخر.. وبأنك مضطرة لأن ترضخي للفرص التي منحها لك.. والتي لم امنحها أنا.. ولكن هل قلت لي أنت بأن هنالك رجلا آخر حقيقة ؟ كلا.. انك لم تلفظي الكلمات.. قلتها بصراحة أقسى من أي كلمة واضحة.. وصفعتني بها قبل أن أجد الكلمة التي أحملها مأساتي، واشحنها بنبأ مرضي الحزين.. لقد قلت كل شيء بجرأة تليق بامرأة تريد أن تستقر.. وحينما غيبك الباب، غيبتك الأيام. وذهبت إلى حيث لا ادري، ولكنني أحس.. ولقد عذبتك اللحظة، هذا شيء واضح ولكنك تركت كل شيء معي، بين الجدران العارية، وذهبت.. بدأت.. نسيت.. ولم تسمعي مني ابدأ الكلمات التي زرعتها بكل ما تبقى من كرامتي. الكلمات التي جمعتها ليلة بعد ليلة من لهاثي.. وشجاعتي.. وخوفي.. والتي لم يتيسر لي أن أقولها لك..
وكنت أحدق إلى الباب العتيق بعدما أغلقته.. كان يخيل إلي أنني مازلت أراك تدقين أرصفة دمشق، وكنت اسمع خفقات خطواتك بكل وضوح، ولكنني كنت في القاع.. في آخر الدوامة.. لقد شعرت فوراً أي شيء فقدت.. وفقدته رغم أنفي.. أنت لا تعرفين أنك أضعت علي فرصتي الأخيرة في أن استعيد إنسانيتي التي امتصها المرض حتى آخرها.. أنت لا تعرفين كم حرمتني من وسيلتي الوحيدة التي كنت أريد أن أقنع نفسي بأنني ما زالت أستطيع أن أكون شجاعاً.. وبدت لي كل حياتي صدفة فارغة لم يكن لها أي معنى.. وأن أخطاء العالم كلها تلتقي عندي..
لماذا تسرعت في الاعتراف ؟ لماذا ؟ لماذا لم تتركي لي فرصتي الخاصة في أن أمثل آخر أدواري ؟ .. ولكنك لا تعرفين.. لقد حدث كل شيء بسرعة، وأنت الآن هناك، في حديقة ما، أن لك كل الحق في أن تفعلي، وفي أن يفعل، ولكن من يستطيع أن يمنعني، أنا الآخر، من أن أحقد عليكما.. على الجميع.. وعلى نفسي ؟ من يستطيع أن يحرمني من أن أكرهكم جميعاً.. وأتمنى الموت لكم.. ولي.. ولكل شيء؟القيم والمثل ؟ كلا، أنها قيمكم ومثلكم انتم.. الناس الأصحاء السعداء.. أما قيمي ومثلي فهي شيء آخر.. شيء خاص مختلف يتناسب وأكوام المرارة التي أعيش فوقها.
أرأيت ؟ لقد كان الفرق لحظة واحدة فحسب.. لو تأخرت في اعترافك، لكان تغير كل شيء. ولكن الفرصة قد ضاعت الآن.. وابتدأت أنت تماماً من حيث انتهيت أنا..


دمشق- 1959



كعك على الرصيف

أتكون محض مصادفة غربية إنني التقيت به, الآن, في نفس المكان الذي شاهدته فيه أول مرة؟

لقد كان مقرفصا هناك؟ كأنه لم يزل كذلك حتى اليوم: بشعره الأسود الخشن, وعينيه اللامعتين ببريق رغبة يائسة, منكباً على صندوقه الخشبي يحدق إلى لمعان حذاء باذخ..لقد استطاعت صورته أن تحفر في عظم رأسي قبل عام واحد, حينما رأيته في تلك الزاوية بالذات, لا لشيء غير عادي, سوى أنني ـ أنا نفسي ـ كنت احتل هذه الزاوية قبل عشر سنوات, حينما كانت المحنة على اشدها, وكانت طريقتي في مسح الأحذية تشابه طريقته إلى حد بعيد, كان الحذاء بالنسبة لي هو كل الكون:رأسه وكعبه قطبان باردان, وبين هذه القطبين كانت تتلخص دنياي.

وقبل عام, حين مررت به, قاءت شفتاه عرضا آليا دون أن تنظر عيناه إلى الحذاء:
ـ أستطيع أن أحوله إلى مرآة، يا سيدي..
وبدافع من رغبة خاصة, تعوضني عن شهور طويلة من الأسى, ركزت قدما على حدبة الصندوق حيث تيسير لي أن أشاهد خطاً عريضاً من العرق يبلل ظهر قميصه الأزرق المتسخ, وكانت عضلات كتفه الضامرة الصغيرة تنقبض وتنبسط, وكان رأسه يهتز بانتظام..
ـ هذا حذاء رخيص..

لم أحس الإهانة على الإطلاق, فلقد كان شعوري حينما كنت أشاهد حذاء رخيصا يشابه شعوره, لكني لم اكن اعبر عنه بهذه السذاجة, كان الحذاء الرخيص يشعرني باقتراب غامض بيني وبين العالم.. ورغم ذلك, فلقد رغبت في تغير الحديث..
ـ كم عمرك؟
ـ إحدى عشر سنة..
ـ فلسطيني؟

هز رأسه فوق الحذاء, دون أن يجيب, أحسست بأنه يخفي شعورا بخجل صغير..
ـ أين تسكن
ـ في المخيم
ـ مع أبيك؟
ـ لا, مع أمي..
ـ أنت طالب أليس كذلك؟
ـ نعم.

ونقر بإبهامه على النعل, ثم طالعني بعينين صافيتين, باسطاً كفه الصغيرة تجاهي, وأحسست بخيط رفيع من الأسى في حنجرتي, وتنازعي شعوران حادان: هل أعطيه أجرته فحسب؟ أم أزيد عليها؟ كنت حينما أعطى اجري حسب استحقاقي أحس شرف عملي, ولكنني حين كنت أوهب هبة ما كنت اقبلها وشعور بالإهانة يتراكم فوق سعادتي في أنني كسبت اكثر...

لقد طواني المنعطف مبتعدا عن نظراته وهي تلسع ظهري ذلك أنني أعطيته استحقاقه فحسب...وحينما نظرت خلفي كان قد صرف نظره عني وتابع تحديقه إلى ارض الشارع راغبا في اصطياد حذاء آخر..

ولكن صلتي "بحميد" لم تنته بانتهاء هذا المنظر.. فبعد اقل من شهر واحد عينت مدرساً في مدارس اللاجئين, وحين دخلت إلى الصف لأول مرة شاهدته جالسا في المقعد الأول.. كان شعره الأسود الخشن اقصر من ذي قبل, وكان قميصه المهترىء مجرد محاولة فاشلة لستر عريه.. وكانت عيونه مازالت تلتمع ببريق رغبة يائسة..
لقد سرني انه لم يعرفني, ورغم انه من الطبيعي أن ينسى ماسح الأحذية زبائنه العابرين فلقد كنت أخشى من كل قلبي أن يتذكرني, ولو فعل لكان وجودي في الصف حرجا لا مهرب منه.. وطوال درسي الأول كنت أحاول عبثاً أن انتزع بصري عن وجهه المكتسي بتحفز مشوب بقلق صغير..لقد كان الصف كله مزيجاً من عدد كبير من أشباه حميد , صغار ينتظرون بفارغ الصبر صوت الجرس الأخير كي يشدوا أنفسهم إلى أزقة مترامية في مجاهل دمشق الكبيرة يصارعون الغروب من اجل أن يكسبوا العشاء.. كانوا ينتظرون الجرس بتوق جائع كي يتوزعوا تحت السماء الرمادية الباردة, كل منهم يمارس طريقته الخاصة في الحياة... وكانوا يعودون, إذ يهبط الليل إلى خيامهم أو إلى بيوت الطين حيث تتكدس العائلة صامتة طوال الليل إلا من أصوات السعال المخنوقة.. كنت أحس بأنني ادرس أطفالا اكبر من أعمارهم.. اكبر بكثير, كل واحد منهم كان شررا انبعث من احتكاكه القاسي بالحياة القاسية.. وكانت عيونهم جميعهم تنوس في الصف كنوافذ صغيرة لعوالم مجهولة, ملونة بألوان قاتمة, وكانت شفاههم الرقيقة تنطبق بإحكام كأنها ترفض أن تنفرج خوف أن تنطلق شتائم لا حصر لها دون أن يستطيعوا ردها..كان الصف إذن عالما صغيرا.. عالما من بؤس مكوم لكنه بؤس بطل..

وكنت أحس بينهم بشيء من الغربة.. وأورثني هذا الإحساس رغبة جامحة في أن أحاول الوصول إلى قلوبهم قدر استطاعتي..

كان حميد طفلاً متوسط الذكاء, ولكنه لم يكن يدرس بالمرة.. وكنت أحاول باتصال أن ادفعه ليدرس ولكن هذا الدفع لم يكن يجدي..
-
حميد, لا تقل لي انك تفتح كتابا في بيتك... انك لا تدرس على الإطلاق..
-
نعم يا أستاذ
-
لماذا لا تدرس ؟
-
لأنني أشتغل..
-
تشتغل حتى متى ؟

وتطل العيون الواسعة الحزينة فيما تأخذ الأصابع الصغيرة تدور باضطراب طاقية متسخة.. ثم يهمس صوت بائس:
-
حتى منتصف الليل.. أستاذ.. إن الخارجين من دور السينما يشترون كعكي دائما إذا انتظرتهم..
-
كعك؟ أنت تبيع كعكا ؟
ويرد صوته بخجل هامس:
_
نعم يا أستاذ.. كعك..
-
لقد كنت أظن.. لا اذهب إلى مكانك.. اذهب!

وطوال تلك الليلة, كنت أتصور المسكين الصغير يدور حافيا في شوارع دمشق النظيفة ينتظر خروج رواد السينما.. كنا في تشرين, وكانت السماء تمطر في تلك الليلة.. وتصورته واقفا في زاوية ما راعشا كريشة في زوبعة.. ضاما كتفيه قدر جهده إلى بعضهما, وداسا كفيه في مزق ثوبه محدقا إلى صحن الكعك أمامه.. منتظرا شخصا ما يخرج من القاعة جائعا كي يشترى كعكة.. شخصين.. ثلاثة.. ويتسع فمه بابتسامة, يائسة ويحدق إلى ميازيب تشرين من جديد.

وفى اليوم التالي.. شاهدته في الصف, كان النعاس يأكل عيونه, وكانت رأسه تنحدر على حين فجأة إلى صدره, ثم ينهضها بعجز.
-
أتريد أن تنام يا حميد ؟
-
كلا يا أستاذ..
-
إذا أردت أن تنام فلسوف آخذك إلى غرفة المدرسين..
-
كلا يا أستاذ..

ولكنه كان يبدوا منهكا بصورة حادة, وهكذا, اقتدته إلى غرفة المدرسين, كانت غرفة عارية إلا من صورة رسمها مدرس الرسم الفاشل ببقايا ألوان الطلبة، وكانت المقاعد الثقيلة منثورة تحت الجدران الرطبة وحول مائدة صغيرة تكدست عليها أكوام الدفاتر والكتب, لقد وقف حميد في باب الغرفة, مستشعرا كما يبدوا إحساسا غريبا, كان قلقا بعض الشيء, وكانت طاقيته تدور بين أصابعه الصغيرة, وعيونه تتناوب التحديق إلي, والى الغرفة..

-
نم على أي مقعد, سوف نضع حطبا في المدفأة.
تحرك بطيئا إلى المقعد القريب, وجلس فوقه نصف جلسة, فيما إلتمعت عيناه بسعادة الدفء.
-
هل بعت كثيرا من الكعك ليلة أمس ؟
-
ليس كثيرا..

كان في صوته رنة أسى عميق, وكان وجهه يرتجف:
-
لماذا ؟
-
نمت, نمت أثناء انتظاري انتهاء الفيلم, وحينما صحوت كان كل شئ قد انتهى.
-
نم الآن, سوف أعود إلى الصف.

ولكنني لم أعرف كيف أتممت درسي, كنت أحس بقلق غريب, وكنت أخشى أن أنفجر بالبكاء أمام الطلبة.

وفى الفرصة كان حميد يغط في نوم عميق, وكان انفه الصغير مازال مزرقا من فعل البرد إلا أن الدم كان قد بدأ يرد إلى وجنتيه. لم يسأل أحد من الأساتذة أي سؤال, إذ أن حوادث كثيرة من هذا الطراز كانت تحدث كل يوم, واكتفى الجميع برشف الشاي صامتين.

وطوال الأيام التالية كنت ابحث عن طريقة ادخل فيها إلى حياة حميد دون أن يمسه فضولي, وكانت هذه العملية صعبة للغاية, إذ أن كل طالب في مدرسة النازحين كان يصر على الاحتفاظ بمأساته الخاصة, وضمها بعنف في صدره..كأنما كان هنالك شبه اتفاق مشترك على أن هذا واجب وضروري..

إن الأشياء الصغيرة, حينما تحدث في وقتها, يكون لها معنى اكبر منها, اقصد أن هنالك بداية صغيرة لكل حادث كبير..

ففي أحد الأيام آتى أخي الأصغر إلى المدرسة يحمل طعام الغداء لي, وحينما أعلمني خادم المدرسة بذلك, أرسلت حميدا إليه كي يأخذ منه أوعية الأكل. وعندما عاد حميد أحسست بأنه أهين بكيفية أو بأخرى, ولذلك طلبت منه أن يراجعني في غرفة المدرسين, أثناء فرصة الغداء.

دخل حميد غرفة المدرسين قلقا كالعادة, كنت وحيدا, ورغم ذلك فان قلقه لم يبارحه, كانت أصابعه تدور طاقيته باضطراب, وكانت عيونه تلتمع كعادتها..
ـ حميد, هل أعجبك أخي؟
ـ انه يشبه أخي..
لم اكن أتصور أن الموضوع سوف يطرق بهذه السرعة...ولذلك فلقد سألت متعجبا:
ـ أخوك؟ أنني اعرف أن لك أختين فحسب..
ـ نعم. ولكن أخي مات..
ـ مات؟..
أحسست باضطراب أنا الآخر, فهذا الصغير يضم صدره الضامر أسرار كبيرة..
ـ كان اصغر منك..ها؟
ـ كلا..اكبر مني..
ـ كيف مات؟
ولكن حميد لم يجب, وشاهدته يغالب دمعا غلبه في نهاية الأمر, وامتلأ وجهه الصغير بدمع غزير اخذ يمسحه خجلا بعض الشيء...
ـ حسنا..لا تتكلم ..أتعرف إن أخي أنا الأخر مات؟
ـ صحيح؟
ـ نعم.. لقد دهسته سيارة كبيرة..
كنت اكذب..ولكنني رغبت في أن أشارك أحزان الصغير بكيفية ما..وشعرت بان كذبتي أخذت طريقها السوي إلى رأسه إذ التمعت عيناه بأسى مفاجئ ومضى يحكي ببطء:
ـ أخي لم تدهسه سيارة...لقد كان يعمل خادما في الطابق الرابع..وكان سعيدا..
كان حميد يستخدم بذراعيه كي يوضح كلامه وكانت دموعه تنساب دون أن يشعر..
ـ لقد اطل في قفص المصعد فقطع المصعد رأسه وهو يهبط..
ـ مات؟

كان السؤال سخيفا, ورغم ذلك فلقد أحسست بضرورته من اجل أن أهدهد قشعريرة مفاجئة تكلبت في جسدي..وهز حميد راس ثم سال فجأة:
ـ هل قطعت السيارة راس أخيك؟
أخي؟آه..نعم..نعم لقد قطعت رأسه..
ـ هل حزنت عليه كثيرا؟
ـ نعم..
ـ هل تبكي عندما تتذكره؟
ـ ليس كثيرا...
ـ قل لي يا أستاذ... هل لك أب؟
ـ طبعا , اعني نعم, لماذا؟

خطا نحوي وسأل بلهفة راعشة:
ـ هل هو بخير؟
ـ نعم..لماذا؟..

تكهفت عيناه بأسى فاجع وشعرت بان للمأساة ذيولا تعصر رئتيه...ولكنني كنت على يقين بان حميد سوف لن يجيب على أي سؤال...لقد انطبقت شفتاه بإحكام مصر..ويمم عيناه شطر الحائط العاري...كان بنطاله قصيرا ممزقا وكان قميصه الأزرق متسخا مهترئا...وحين شاهدني أطالعه باستغراب لململم نفسه واحمر وجهه قليلا وازدادت سرعة الطاقية الصوفية الدوارة بين أصابعه.

لقد بدأت مشكلة حميد تدخل شيئا فشيئا فيما بعد, إلى حياتي.
كنت لا أستطيع على الإطلاق أن أكون عابرا في حياته, متفرجا إلى مأساته, ومن بين عشرات المآسي التي حفل بها صفي لم تجذبني إلا عيون حميد البائسة اليائسة..صرت أفكر فيه على الدوام.وكثيرا ما كنت اقرر أن أبدأ بنفسي, خارج المدرسة, بحثا متصلا حول حياة حميد..بل لقد فكرت يوما في أن ابحث عن طريقة تجعل أمر مساعدته ماليا شيئا طبيعيا لا يحمل رائحة الإهانة..ولكن كل شيء كان يدور مجهدا حوالي, وكان ينتهي إلى الفشل أمام العيون التي تحتوي, إلى جنب الأسى , شيئا كثيرا من الكبرياء والتعالي..

إلا أن علاقتي بقضية حميد أخذت تخفت شيئا فشيئا بعد سلسلة من الأحداث الصغيرة جعلتني احمل نقمة غريبة على هذا المخلوق الصغير, المقعد, المكوم فوق أسرار, لا تنتهي إلي لتبدأ, ولا تبدأ إلا لتستمر..فلقد حدث ذات يوم أن شكا إلي حميد أستاذا زميلا أهانه إهانة بالغة.ولقد قال حميد, يومها, وهو يحدق إلي مكشرا بعض الشيء:
ـ إنني يتيم...وإلا لكنت استدعيت أبى..
ـ هل..أبوك ميت؟..
قال بخجل وهو يطأطئ رأسه:
ـ نعم..
ـ لماذا لم تقل لي ذلك من قبل؟
لم يجيب حميد على سؤالي واكتفى بان هز رأسه باتصال., وصمت:
ـ أنت الذي تصرف على عائلتك إذن؟
ـ نعم..أنا الذي اصرف..أن أمي تكسب قليلا من تنظيف مخازن وكالة الغوث..ولكنني أنا اكسب اكثر..

وصمت حميد قليلا ثم اندفع قائلا وهو يبسط كفيه الصغيرتين مستعينا بحركاتهما:
ـ إنني اشتري كل ثلاث كعكات بعشرة قروش..أبيع الكعكة الواحدة بخمسة قروش..
ـ أما زلت تنام وأنت تنتظر خروج رواد السينما؟..
ـ كلا..لقد تعودت السهر..

هل من الضروري أن يعترف المدرس, بين الفنية والأخرى, بأنه يلجا إلى الغش كي يعين طالبا مسكينا على النجاح؟.لقد كنت أنا افعل ذلك..كانت علامات حميد جيدة على الدوام رغم انه كان متوسط المستوى, لكني لم اشعر قط بعدالة علاماتي بقدر ما كنت اشعر هذه العدالة حينما كنت أسجل علامات حميد..

ولكن القضية لا تتحرج هنا على الإطلاق, لقد بدأت تتحرج فقط حينما أخذت اشك في سلوك هذا "الحميد" وفي كلامه لي, بل وفي دمعه أيضا..

وفي عصر يوم قائظ من أيام نهاية العام نقل ألي تلاميذ الصف أن خادم المدرسة ضرب حميدا ضربا قاسيا حينما كان يحاول عبور حاجز المدرسة هاربا, وحينما استدعيت الخادم إلى غرفة المدرسين كي أعاتبه وجدتني أواجه رجلا يتمتع بقناعة غريبة بأنه إنما فعل عين الصواب, ضاربا عرض الحائط بكل مفاهيم التربية النموذجية التي حاولت أن أوضحها له..حينذاك لم أجد بدا من أن أواجهه بمنطقه الخاص:

-
أليس حراما يا أبا سليم أن تضرب يتيما؟
جأر أبا سليم مادا رأسه تجاهي وقد عقد ذراعيه على صدره:
-
يتيم؟ إن أباه لوح, أكتافه تملا الدنيا..
-
حميد له أب؟

سألت متعجبا.. فيما أتاني نفس الجواب مكررا بصلف:
-
إن أباه لوح.. تملا أكتافه الدنيا..

أحسست بإهانة تصفع صدري..وساءني أن يكون الصغير قد بنى عطفي عليه فوق أكاذيب منحطة.. شعرت بأنني لم اكن سوى مغفل طيب القلب وان كل العلامات التي جعلتها تخطو من فوق ضميري بارتياح تضحك في وجهي الآن بشراسة..

وطوال الطريق إلى بيتي كانت كلمات أبى سليم تعرك رأسي ويدوي صداها في حنجرتي..وكنت احدث نفسي زاعما لها أن اؤلئك الملاعين الصغار هم في الحقيقة اكبر بكثير من أعمارهم وان الخطأ كان في أنني عاملتهم على انهم أطفال فحسب, لقد تغاضيت عن كونهم رجالا صغار يستطيعون الوصول إلى ما يريدون بأية طريقة تخطر على بالهم..وان لعبة حميد على أستاذه ليست في نظره سوى لعبة بائع كعك على زبون نصف سكران تنتهي بشراء كعكتين, أو كعكة بسعر كعكتين ..

ورغم هذا الكلام, فأنني لم استطع أن أتخلص من شعوري الحاد بأنني أهنت على يد حميد إهانة بالغة, وأخذ تفكيري يسير في الطريق الذي يؤدي إلى إيجاد انتقام ما..أنني اعتقد الآن بان القضية تافهة, وان تفكيري كان اتفه, ولكنني لم اكن أرضى لحظتذاك بأن أتنازل قيد أنملة واحدة عن حقي في أن امسح الإهانة..

ولكن الذي حدث فيما بعد لم يستطع أن يهدهد غضبي, بل على العكس, لقد زاده أواراً على أوار..واستشعرت بعدها ألما ممضاً يعتصر صدري بلا هوادة..فلقد قصّ علي طالب ثرثار كيف ماتت أم حميد قبل شهور طويلة بعد أن وضعت طفلة ميتة..
ووجدتني أغوص في دوامة من الأكاذيب كومها حولي هذا الحميد الصغير ببراعة لا تكاد تصدق...

أتت نهاية احتمالي في غداة يوم قائظ, كنت عائدا فيه من المدرسة فرأيته فجأة بعد غياب طويل..

أتكون محض مصادفة غريبة أنني التقيت به في نفس المكان الذي شاهدته فيه لأول مرة؟
كان مقرفصا هناك خلف صندوقه الخشبي الملوث بالدهان, يحدق إلى الشارع راغبا في اصطياد حذاء ما...فيما وقفت أنا نصف مصعوق أكاد لا اصدق أنني أرى بائع الكعك المزعوم, وأحسست بالإهانة تجترح حلقي, وحينما استطعت أن أميز ماذا كنت افعل وجدتني ممسكا بياقة الصغير أهزه بلا هوادة..وأفح باتصال:
ـ أيها الكذاب..
رفع الصغير عيونه أمامي مفتوحة حتى أقصاها, ممزوجا لمعانها بمعنى من معاني الخوف المفاجئ, ورأيت شفتيه تتحركان دون أن تستطيعا النطق بينما فشلت محاولته الصغيرة للخلاص من بين قبضتي..

وعدت اكرر وقد أحسست بشيء يهوي في صدري أمام الصمت اليائس:
-
أيها الكذاب...
-
أستاذ..
قالها باسترخاء رافعاً إصبعه بصورة آلية ونظر حواليه باضطراب ثم اعترف راجفاً:
-
نعم يا أستاذ أنا كذاب, ولكن اسمع..
-
لا أريد أن اسمع شيئاً..
ضاقت عيونه وخيل إلى أن دمعة توشك أن تسقط وعاد صوته يرجف من جديد:
-
اسمع يا أستاذ..
-
آيها الكذاب...آنت تعيش مع أمك... فليس كذلك أيها الكذاب ؟
-
كلا يا أستاذ..كلا..إن أمي ميتة ولكنني لا أستطيع أن أقول..فحينما ماتت أمي طلب والدي منا أن لا نقول شيئاً عن موتها..أن نصمت..

تراخت قبضتي وسالت بضعة:
-
لماذا ؟
-
لم يكن يملك أجرة الدفن...وكان خائفاً من الحكومة.. أسدلت ذراعي إلى جنبي؛ واستطعت آن التقط خوف الصغير الساذج الذي استمر حتى اليوم دون مبرر ولكنني خفت أن أكون مخدوعاً فعدت أصيح, ولكن بليونة أكثر...

-
وأبوك؟ قلت لي أنه مات... أليس كذلك ؟
-
لم يستطع حميد أن يتماسك أكثر فأدار وجهه إلى الحائط وأخذ يبكي فيما سمعت خلال نشيجه صوته الضعيف:
-
إنه لم يمت.... إنه مجنون يدور في الشارع نصف عار..لقد جن بعد أن شاهد رأس أخي يقطعه المصعد...
-
جن؟
-
نعم... لقد أطل أخي داخل قفص المصعد من أجل أن يستقبل أباه..وشاهد أبي المنظر بأم عينيه؛ فأخذ يعدو في الشارع..

قلت, مستشعراً الدوار يتكلب في صدغي:
-
لماذا قلت لي أنك تبيع الكعك؟ هل تستحي من صنعتك ؟ لانت نظرات حميد , وحدق إلي بعيون شفافة قائلاً بخجل:
-
لا.. لقد كنت أبيع كعكاً, وأول أمس عدت إلى هذه الصنعة..
-
ولكنك كنت تكسب كثيراً ؟
-
نعم, ولكن..
-
وعاد الرأس الصغير ينوس كعادته كلما تعرض لخجل أكبر منه, ودق بالفرشاة على سطح الصندوق دقات منتظمة هامساً دون أن يرفع بصره..
-
كنت أجوع آخر الليل...وكنت آكل كعكتين أو ثلاثة.

لم أدر كيف أتصرف, هممت أن أطلق ساقي للريح, ولكني وجدتني أضعف من أن أفعل.. وبقي الرأس الصغير بشعره الأسود الخشن منحنياً, ودون أن أحس رفعت قدمي وأركزتها على حدبة الصندوق..
بدأت الكفان الصغيرتان تعملان بحذق فيما أخذ الرأس الخشن يهتز فوق الحذاء, ثم وصلني الصوت إياه قائلاً ببساطة:

-
أستاذ... أنت لم تغير حذاءك منذ عام... هذا حذاء رخيص.




الكويت 1959




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق